صافي الانبعاثات: الصفقة الاستعمارية الجديدة للجنوب العالمي – مقالة لمعالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي
أصبح مفهوم صافي الانبعاثات أحد أكثر المفاهيم تأثيرًا في سياسات المناخ الحديثة. فبعد أن كان مصطلحاً علميًا يشير إلى تحقيق التوازن بين الانبعاثات وعمليات الإزالة، تحوّل اليوم إلى إطار سياسي وأخلاقي يحدد شكل الاستجابة العالمية لأزمة المناخ.
وبالنسبة لإفريقيا والدول النامية (الجنوب العالمي) لم يعد صافي الانبعاثات هدفاً بيئياً فحسب، بل أصبح مدخلًا لمناقشة العدالة المناخية والتعويض عن الأضرار الناتجة عن قرن ونصف القرن من التلوث الصناعي خلال الثورة الصناعية.
تتناول هذه المقالة كيف ارتبط مفهوم صافي الانبعاثات بفكرة تعويض الدول الإفريقية عن الأضرار المناخية، ثم تناقش الجدل الدائر حول جدوى هذا المفهوم.
1- المسؤولية التاريخية: من لوّث يدفع؟
تُسهم إفريقيا بأقل من 4% من الانبعاثات العالمية التاريخية، رغم أنها تضم 17% من سكان العالم. ومع ذلك، فهي من أكثر المناطق تعرضًا لآثار تغيّر المناخ وأقلها قدرة على التكيف معه والتخفيف من أخطاره، نتيجة لمجموعة من الظواهر:
* موجات جفاف طويلة، فيضانات مدمّرة، تراجع الإنتاج الزراعي، تهديد الأمن الغذائي، في المقابل، قامت الدول الصناعية ببناء ثرواتها على استخدام الفحم والنفط والغاز منذ الثورة الصناعية.
ومع انتشار مفهوم صافي الانبعاثات، برز سؤال جوهري: إذا كان العالم يحتاج للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية، فمن يتحمل كلفة هذا التحول؟ ومن يعوّض من تضرر بالفعل؟
هذا السؤال يستند إلى مبدأ «المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة» في اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ.
2- صافي الانبعاثات يكشف فجوة التمويل الإفريقية:
يتطلب الوصول إلى صافي الانبعاثات استثمارات ضخمة في الطاقة الجديدة والمتجددة والبنية التحتية المقاومة للمناخ والزراعة الذكية مناخياً وأنظمة الإنذار المبكر ومعالجة الخسائر والأضرار.
لكن إفريقيا تواجه تحديات مالية كبيرة في ارتفاع كلفة الاقتراض ومحدودية الحيز المالي وأولويات تنموية ملحّة، وعدم القدرة على الاستفاده القصوى من مصادرها الطبيعية.
ورغم ذلك، ارتفع التمويل المناخي لإفريقيا من 29.5 مليار دولار في 2019-2020 إلى 43.7 مليار دولار في 2021-2022، أي بزيادة 48%. لكن هذا الرقم لا يزال بعيدًا جدًا عن احتياجات القارة، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إفريقيا تحتاج إلى أكثر من 250 مليار دولار سنوياً لتمويل التكيف وحده.
3 – صندوق الخسائر والأضرار: الجسر المؤسسي للتعويض
شكّل إنشاء صندوق الخسائر والأضرار في COP27 (مصر) نقطة تحول تاريخية بعد أن رفضت بعض دول الجنوب العالمي الموافقة على البيان الختامي للمؤتمر.
فقد اعترفت الدول الصناعية لأول مرة بشكل صريح بأن بعض الأضرار المناخية لا يمكن التكيف معها كما أن الدول الأقل تسبباً في الأزمة تتعرض لأكبر الخسائر، والتعويض ضرورة وليس خيارًا.
أ. الحجج المؤيدة لصافي الانبعاثات:
1. هدف علمي واضح:
تؤكد النماذج المناخية أن تزايد الاحترار العالمي يتوقف فقط عندما تصل الانبعاثات إلى صافي صفر. هذا يمنح العالم هدفًا محددًا بدلًا من شعارات «خفض الانبعاثات».
2. إطار عالمي موحّد: أصبح صافي الانبعاثات لغة مشتركة بين الحكومات والشركات والمؤسسات المالية.
3- فرصة لإفريقيا لتجاوز النموذج الصناعي القديم. يمكن لصافي الانبعاثات أن يفتح الباب أمام:
استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة، وخلق وظائف جديدة تتماشى مع متطلبات المستقبل، وتحسين الوصول إلى الطاقة، وتطوير البنية التحتية.
4- أداة ضغط للمطالبة بالتعويض. يسمح لإفريقيا بالقول: من تسبب في الأزمة يجب أن يموّل الحل.
ب. المنطق المعارض لصافي الانبعاثات
1. قد يتحول إلى أداة لتأجيل العمل
تستخدم بعض الدول والشركات صافي الانبعاثات لتبرير استمرار التلوث اليوم مقابل وعود مستقبلية بالإزالة.
2. الاعتماد المفرط على التعويضات الكربونية.
الكثير من خطط صافي الانبعاثات تعتمد على مشاريع تعويض في إفريقيا، ما يثير أسئلة حول: قدرة الغابات الافريقية على البقاء كعامل مساعد من خلال امتصاص ثاني أكسيد الكربون.
حقوق المجتمعات المحلية* فاعلية المشاريع العدالة المناخية الاعتماد على تقنيات غير ناضجة.
خطر «الاستعمار الأخضر»
إذا استُخدمت أراضي إفريقيا لتعويض انبعاثات الآخرين دون مقابل عادل، يتحول صافي الانبعاثات إلى شكل جديد من الاستغلال، وهو نمط تعودت عليه القارة السمراء وواجهت سلبياته وتأثيراته الوخيمة.
فجوة التمويل:
رغم الزيادة الأخيرة، لا يزال التمويل المناخي بعيدًا عن احتياجات إفريقيا، كما تشير تقارير الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
يبقى التحدي الأكبر أمام إفريقيا هو ضمان أن يتحول صافي الانبعاثات إلى أداة للعدالة لا إلى وسيلة جديدة للاستغلال أو صفقة استعمارية حديثة باسم صافي الانبعاثات (Net Zero).





