كيف يؤثر ضوء ليد في النوم وصحة الدماغ - مقالة لمعالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي

كيف يؤثر ضوء ليد في النوم وصحة الدماغ – مقالة لمعالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي

إن فهم تأثيرات التعرّض للضوء الأزرق يتيح تحقيق توازنٍ واعٍ بين كفاءة الطاقة، وجودة النوم، وأنماط العيش المستدام.

شهد العالم خلال السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا لإضاءة ليد، التي أصبحت تمثل أكثر من 55% من استخدامات الإضاءة السكنية والتجارية بحلول عام 2023. ويعود هذا الانتشار إلى كفاءتها العالية في استهلاك الطاقة، إذ تساهم في خفض استهلاك الكهرباء بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بالمصابيح التقليدية. غير أن اتساع نطاق استخدامها ترافق مع تصاعد نقاشات عامة — لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي — حول تأثيرات الضوء الأزرق في الدماغ، وهي نقاشات يفتقر كثير منها إلى الدقة العلمية.

على الصعيد العالمي، وبخاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة، بات التحول نحو ممارسات الطاقة المستدامة سمة أساسية للحياة المعاصرة، وتؤدي الإضاءة دورًا محوريًا في هذا التحول. فمصابيح ليد، المنتشرة اليوم في المنازل والمكاتب والمرافق العامة، تقدم مزايا بيئية واضحة، إلا أن شيوع استخدامها يثير تساؤلات مشروعة حول كيفية تفاعل الضوء الاصطناعي مع الدماغ البشري.

تُصدر مصابيح ليد طيفًا ضوئيًا غنيًا بالموجات الزرقاء (450–495 نانومتر)، وهي موجات تؤثر مباشرة في الساعة البيولوجية للجسم. ولا تُعد هذه المصابيح ضارة بذاتها، غير أن آثارها البيولوجية تتحدد وفق شدة التعرض، ومدته، وتوقيته، وتركيبه الطيفي. وتشير الدراسات إلى أن التعرض الليلي للضوء الأزرق عند مستويات تتراوح بين 30 و50 لوكس قد يؤدي إلى تثبيط إفراز هرمون الميلاتونين بنسبة تصل إلى 50%. ومن ثمّ، فإن إدراك هذه التأثيرات يمثل خطوة أساسية نحو تبني سلوكيات إضاءة صحية ومستدامة.

تُعد النواة فوق التصالبية في الدماغ المنظّم الرئيس للإيقاع اليومي، وهي شديدة الحساسية للضوء الأزرق. فالتعرض له يؤدي إلى خفض مستويات الميلاتونين وزيادة اليقظة، وقد أثبتت الأبحاث أن الطول الموجي القريب من 460 نانومتر هو الأكثر تأثيرًا. وعندما يختل الإيقاع البيولوجي، تزداد احتمالات الإصابة بالأرق، واضطرابات المزاج، والاختلالات الأيضية.

التأثيرات المعرفية
يسهم التعرض للضوء الأزرق خلال ساعات النهار في تعزيز الانتباه وسرعة الاستجابة والذاكرة العاملة بنسبة تتراوح بين 10% و20%. إلا أن الصورة تختلف ليلًا؛ إذ يرتبط التعرض الليلي بانخفاض جودة النوم العميق، وتراجع الأداء في اليوم التالي، وارتفاع مستويات الإرهاق.

مخاطر محتملة
يمثل النوم العميق عنصرًا جوهريًا في عمل الجهاز الغليمفاوي في الدماغ، وهو نظام التنقية الطبيعي الذي يزداد نشاطه بنسبة تصل إلى 60% أثناء النوم. ويؤدي ضعف النوم إلى تراكم بروتينات عصبية سامة، مثل بيتا-أميلويد. ومن ثمّ، فإن تثبيط الميلاتونين بفعل الضوء الأزرق قد يسهم بصورة غير مباشرة في زيادة المخاطر العصبية على المدى الطويل.

إجهاد الشبكية
تشير دراسات أُجريت على الحيوانات إلى أن التعرض المطوّل لكثافات مرتفعة من الضوء الأزرق قد يُحدث إجهادًا تأكسديًا في خلايا الشبكية، غير أن الأدلة السريرية لدى البشر لا تزال محدودة وغير حاسمة.

الوميض والمجالات الكهرومغناطيسية
تعمل مصابيح ليد الحديثة بترددات عالية تقلل من ظاهرة الوميض، في حين قد تومض المصابيح الفلورية عند تردد 100–120 هرتز، مما يسبب انزعاجًا لبعض الأفراد ذوي الحساسية. أما الانبعاثات الكهرومغناطيسية لكلا التقنيتين فتقع ضمن الحدود الآمنة المعتمدة دوليًا.

عادات إضاءة صحية
• خفض سطوع الشاشات بعد الساعة التاسعة مساءً
• استخدام مرشحات الضوء الأزرق
• تجنب الإضاءة الساطعة في غرف النوم

خيارات مستدامة بوعي علمي
لا توجد أدلة علمية تثبت أن إضاءة ليد تُحدث ضررًا مباشرًا في الدماغ. غير أن الضوء الأزرق قادر على التأثير في الإيقاع اليومي، ومستويات الميلاتونين، وجودة النوم، والأداء المعرفي، لا سيما عند التعرض له ليلًا. كما قد تؤثر المصابيح الفلورية في الراحة البصرية بسبب الوميض، بينما تفتقر مصابيح الهالوجين إلى الكفاءة في استهلاك الطاقة.

وقد أصبحت شاشات الهواتف الذكية من أبرز مصادر التعرض للضوء الأزرق؛ إذ إن استخدام الشاشة لمدة 30 دقيقة ليلًا قد يثبط إفراز الميلاتونين بنسبة تتراوح بين 20% و50%، مما يؤخر النوم ويقلل من جودته التعويضية.

ومن منظور الاستدامة، فإن اتخاذ قرارات واعية بشأن الإضاءة لا يحقق وفورات في الطاقة فحسب، بل يسهم أيضًا في صون صحة الإنسان. فالسلوك المستدام في استخدام الإضاءة ليس خيارًا تقنيًا مجردًا، بل هو ممارسة مسؤولة تحمي كوكبنا، وتصون صفاء العقل وجودة الحياة.

6 Views
Scroll to top
Close
Browse Categories
Browse Tags