إن الطريق نحو مستقبلٍ خالٍ من الانبعاثات الصافية حافل بالخيارات العديدة، والحكمة تكمن في اختيار المسار الصحيح.
قالت عالمة الأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكية مارغريت ميد: “لا تشكّ أبدًا في أن مجموعة صغيرة من المواطنين المفكرين الملتزمين يمكنها تغيير العالم، فهي في الحقيقة القوة الوحيدة التي غيّرته“.
وما أصدق ذلك! ففي عصرٍ يتسم بتسارع التحضّر وتفاقم تغيّر المناخ، بدأت اليقظة البيئية من الأفراد الذين بادروا باستكشاف استراتيجيات لصياغة مستقبل التنقل. وسرعان ما تحوّل الموضوع إلى قضية عالمية تهدف إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وتحسين الصحة العامة وجودة الحياة. وتشير النتائج إلى أن المدن تشهد تحولًا جذريًا لبناء مساحات قادرة على التكيّف مع المناخ.
ومع إدراك أن النقل المستدام والتنقل الذكي لم يعودا خيارًا بل ضرورة، تستثمر الدول في أنظمة أنظف وأكثر أمانًا وأشد ذكاًء. ومن خلال إعطاء الأولوية للإنسان على المركبة، يعزز النظام البيئي النمو الشامل ويمضي نحو مستقبل أكثر استدامة. غير أن هذا التحول يتطلب إعادة تفكير جريئة في تصميم المدن.
إن العمود الفقري للتنمية المستدامة هو تعدد الأبعاد، ويشمل الحوكمة، ودمج التكنولوجيا، والبنية التحتية، والتصميم، ومصادر الطاقة المتجددة، وجميعها عناصر متساوية في الأهمية لتحقيق الأثر. وكما يُقال: الاستدامة ليست فقط في إلى أين نذهب، بل كيف نصل إلى هناك.
تضمن الحوكمة الفعّالة تنفيذ المبادرات على مختلف المستويات. ومن خلال إشراك أصوات المجتمع، وتلبية الاحتياجات المحلية، وبناء الثقة العامة، ينبغي أن يكون الهدف هو تحقيق التوازن بين حماية البيئة والازدهار الاقتصادي. وبينما تُعزّز التعاون بين الجهات الحكومية والمواطنين وأصحاب المصلحة، تبرز تحديات رئيسية مثل إصلاح السياسات، والميزانيات السليمة، وخصوصية البيانات وأمنها.
وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، شكّل قطاع النقل في عامي 2023–2024 ربع إجمالي الانبعاثات الكربونية العالمية، وأكثر من 65% من استهلاك النفط، و27% من استخدام الطاقة. وفي الواقع، تتحمل المركبات على الطرق وحدها ثلاثة أرباع انبعاثات النقل، بما يشمل مركبات الركاب ومركبات الشحن.
لذلك، يبقى توسيع النقل العام في المدن الكبرى أحد أكثر البدائل فاعلية لتقليل الازدحام والتلوث والاعتماد على المركبات الخاصة. وإذا خُطِّط له بشكل بنّاء ونُفِّذ بعدالة، يمكن للتنقل المستدام أن يخفض الانبعاثات ويعزز صحة الناس. وبما أن النقل العام يُصدر ملوثات أقل بكثير لكل كيلومتر-راكب مقارنة بالمركبات الخاصة، فإن تعزيز الوصول إلى القطارات والترام والحافلات هو الحل.
وقد طبّقت عدة مدن حول العالم مسارات النقل السريع بالحافلات (بي أر تي) التي تضاهي خدمات المترو في السرعة والكفاءة. وبالمثل، تعتمد بعض المناطق بالكامل على أسطول من الحافلات الكهربائية، مدعومة بمحطات تنقل ذكية ومراكز ربط.
إن إنشاء واحات قابلة للمشي وصديقة للدراجات في قلب المدن يُعدّ عنصرًا أساسيًا في الاستدامة. فمن خلال تصاميم هادفة، تشجع أنماط حياة صحية في المجتمعات، تدعم الاقتصادات المحلية، وتقلل الانبعاثات. والنتيجة هي ظهور مدن تتمحور حول الإنسان.
المدن التي تستثمر في مسارات الدراجات تشهد زيادة في عدد المستخدمين تتراوح بين 20–50% خلال السنة الأولى. وفي كوبنهاغن، يتنقل 62% من السكان يومياً بالدراجات، مدعومين بشبكة تتجاوز 390 كيلومتراً من المسارات المخصصة.
كما يقلل تطوير الأحياء متعددة الاستخدامات من الحاجة إلى السفر لمسافات طويلة، بينما تتيح الأرصفة الواسعة والمسارات المظللة بيئات مشي آمنة وشاملة. وإضافة الأشجار والنوافير والفنون العامة يجعل المشي أكثر متعة.
نظراً لمسؤولية قطاع النقل عن الانبعاثات، فإن التحول إلى الوقود منخفض الكربون والتنقل الكهربائي أمر بالغ الأهمية. وقد أدت الحوافز الحكومية إلى تسريع اعتماد المركبات الكهربائية حول العالم. كما توفر القطارات والحافلات العاملة بالهيدروجين سفرًا بلا انبعاثات وبمدى طويل. وأصبحت التطبيقات التي تدمج النقل العام والدراجات الكهربائية والسكوترات وخدمات النقل التشاركي خيارات سلسة ومستدامة.
وفي عام 2024، بلغت مبيعات المركبات الكهربائية عالمياً 17.1 مليون مركبة. ومن هنا، فإن توسيع شبكات الشحن ودمج مصادر الطاقة المتجددة—مثل المظلات الشمسية في محطات النقل—أصبح ضرورة. كما أسهم إنشاء مناطق الانبعاثات المنخفضة في تحسين جودة الهواء في أكثر من 250 مدينة أوروبية.
التحديات التي تواجه استدامة النقل الذكي:
ورغم التقدم الكبير، فإن استدامة النقل الذكي تواجه مجموعة من التحديات التي تتطلب حلولًا مبتكرة، من أبرزها: تحديات البنية التحتية، عدم جاهزية بعض المدن لاستيعاب شبكات النقل الذكي، الحاجة إلى تحديث الطرق، الإشارات، مراكز التحكم، ومحطات الشحن، ارتفاع
كلفة إنشاء البنية التحتية المتقدمة وصيانتها.
التحديات السلوكية والثقافية
مقاومة بعض المجتمعات للتغيير أو التخلي عن المركبات الخاصة، والحاجة إلى حملات توعية لتعزيز ثقافة النقل المستدام.
بينما نرسم الطريق نحو مستقبل خالٍ من الانبعاثات الصافية، ينبغي أن يكون هدفنا تعزيز تنمية المجتمعات وانسجامها. وكما قالت جينيفر نيني، رئيسة تحرير ايكو واريرور برنسيس : “لسنا فوق الطبيعة، بل نحن جزء منها”.





