مضيق هرمز بين التفسيرات الإعلامية والقانون الدولي – مقالة لمعالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي

شهد مضيق هرمز في الآونة الأخيرة كثرة في الطروحات الإعلامية وتعدد الاجتهادات التي تراوحت بين ما هو صائب وما هو بعيد عن الدقة، حتى غدا المضيق محورًا لتأويلات متسارعة لا تستند دائمًا إلى الإطار القانوني الدولي أو إلى قراءة تاريخية راسخة. وزاد من هذا الالتباس أن بعض وسائل الإعلام عمدت إلى إجراء مقارنات بين مضيق هرمز ومضائق أخرى تختلف عنه جذريًا في طبيعتها القانونية، ولا سيما تلك التي تخضع لاتفاقية مونترو مثل البوسفور والدردنيل. 

ونظرًا لانتشار هذه المقارنات، كان من الضروري توضيح الفوارق الجوهرية بينها، وبيان ما ينطبق وما لا ينطبق على كل مضيق، بما في ذلك حقيقة أن مضيق هرمز لا تنطبق عليه قاعدة الحدود الساحلية البالغة 12 ميلًا بحريًا؛ لأن الممرات الملاحية تقع بالكامل داخل المياه الإقليمية للدول الساحلية، ومع ذلك يخضع لحق المرور العابر الذي يتجاوز هذا القيد. 

ومن هذا المنطلق، رأيت من المهم تقديم قراءة تحليلية تستند إلى خبرتي كمسؤول إماراتي سابق كنت معنيًا بملف النقل البحري، وإلى ما تطرحه المنظمة البحرية الدولية من مبادئ واضحة بشأن حرية الملاحة وحقوق العبور في المضائق الدولية.

وقد أكدت المنظمة البحرية الدولية في بيانها الصادر في 16 مارس/آذار، أن انتهاك حرية العبور في مضيق هرمز يمثل إخلالًا بالقانون البحري الدولي، مشددة على أن المضيق يخضع لنظام المرور العابر الذي لا يجوز تعطيله أو تقييده بإجراءات أحادية. كما دعت المنظمة إلى احترام قواعد الملاحة الدولية، وإلى حماية السفن التجارية والبحّارة، وإلى الامتناع عن أي ممارسات من شأنها تهديد سلامة النقل البحري أو استقرار التجارة العالمية. ويأتي هذا الموقف في سياق دولي يزداد فيه الاعتماد على الممرات البحرية الحيوية، ويزداد معه خطر التفسيرات غير الدقيقة التي قد تؤثر في فهم الرأي العام لطبيعة هذه المضائق.

يمثّــل مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي للخليج العربي نحو المحيط الهندي، ويمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله شريانًا لا غنى عنه للاقتصاد العالمي. يبلغ عرضه عند أضيَق نقطة بين 33 و39 كيلومترًا، بينما لا تتجاوز الممرات الملاحية المنظمة ستة كيلومترات. ورغم أن هذه الممرات تقع داخل المياه الإقليمية لإيران وعُمان، فإن القانون الدولي يمنح السفن حق المرور العابر، وهو حق لا يمكن تعليقه حتى في أوقات التوتر، ما يجعل المضيق ممرًّا دوليًا بحكم الاستخدام والضرورة، لا بحكم خروجه من السيادة الساحلية. لذلك فإن السيادة على المضيق هي مسؤولية دولية وحماية الحركة فيه دور أممي خالص.

وقد عرفت الجغرافيا العربية والإسلامية هذا المضيق بعدة تسميات تعكس دوره التجاري وصلته بالموانئ الكبرى في الخليج، من أبرزها باب السلام، باب البصرة، باب البحر، بحر مكران، وبحر فارس. وردت هذه الأسماء في مؤلفات الجغرافيين العرب مثل ابن خرداذبه، ابن حوقل، اليعقوبي، الإدريسي، وياقوت الحموي، في سياق وصف طرق الملاحة بين الهند وبلاد الرافدين. أما الاسم الحديث “هرمز” فيرتبط بمملكة هرمز التي ازدهرت بين القرنين العاشر والسادس عشر، وقد تبنّى البرتغاليون هذا الاسم المحلي خلال سيطرتهم على الجزيرة عام 1515، ما أسهم في نشره عالميًا عبر الخرائط الأوروبية دون أن يكونوا أول من أطلقه.

وعلى النقيض من ذلك، يمثّل مضيق البوسفور نموذجًا لمضيق تتحكم به دولة ساحلية ضمن إطار قانوني دولي محدد. فهو يربط البحر الأسود ببحر مرمرة وتتحكم فيه تركيا بالكامل، ويخضع لاتفاقية مونترو لعام 1936 التي تنظّم مرور السفن التجارية وتفرض قيودًا واضحة على السفن الحربية، وتمنح تركيا صلاحيات واسعة في زمن الحرب أو عند تعرضها لتهديد مباشر. وينطبق الأمر ذاته على مضيق الدردنيل، ما يجعل هذين المضيقين حالة قانونية مختلفة تمامًا عن مضيق هرمز الذي لا يخضع لأي اتفاقية خاصة، بل لأحكام قانون البحار العامة.

أما مضيق ملقا، الواقع بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، فيُعدأحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، ويمثل محورًا رئيسيًا للتجارة الآسيوية. ورغم أهميته، لا يخضع لنظام المرور العابر، بل لإدارة مشتركة بين الدول الثلاث، مع تحديات أمنية أبرزها القرصنة. ويأتيباب المندب بوصفه بوابة البحر الأحمر نحو المحيط الهندي، ونقطة اختناق حيوية للتجارة بين أوروبا وآسيا، وتنبع حساسيته من الاستقرار الإقليمي أكثر من الإطار القانوني؛ إذ يخضع لمبادئ الملاحة الدولية العامة دون اتفاقية خاصة.


وتكشف المقارنة بين هذه المضائق أن مضيق هرمز يتميز بتركيبة فريدة تجمع بين الأهمية الاقتصادية العالمية، والضيق الجغرافي، ومرور السفن داخل مياه إقليمية، مع خضوعه لنظام قانوني يضمن حرية الملاحة. أما البوسفور والدردنيل وملقا وباب المندب، فلكل منها خصوصيته القانونية والسياسية التي تحدد طبيعة التحكم فيه ودوره في النظام البحري الدولي. وتبقى هذه المضائق، على اختلافها، نقاطًا حاكمة في توازنات الجغرافيا السياسية، ومؤشرات حساسة على استقرار النظام الاقتصادي العالمي، ما يجعل العودة إلى القانون والتاريخ ضرورة لفهم حاضرها ومستقبلها بعيداً عن ضجيج التفسيرات الإعلامية.

6 Views
Scroll to top
Close
Browse Categories
Browse Tags