كيف تُشكّل الزراعة المائية المتكاملة مستقبل الاقتصادات الشاملة – مقالة لسعادة عبدالله الحميدان

يعكس وجود المنتجات التي يزرعها أصحاب الهمم ضمن سلاسل التوريد التجارية الرئيسية تحولًا مهمًا في فهم مفهوم الدمج، من مجرد الدعم الاجتماعي إلى المشاركة الفاعلة في الاقتصاد.

بعد مرور عشرين عامًا على اعتماد الأمم المتحدة لاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، أصبح الحوار العالمي حول دمج أصحاب الهمم يركّز بشكل متزايد على المشاركة والفرص والمساهمة الاقتصادية، بدلًا من الاقتصار على أنظمة الدعم التقليدية.

فما بدأ كإطار يهدف إلى ضمان المساواة وإمكانية الوصول، تطوّر تدريجيًا إلى إدراك أوسع بأن المجتمعات الشاملة أكثر إنتاجية وقدرة على التكيّف. وأصبحت الحكومات والمؤسسات اليوم تمنح أهمية أكبر لخلق مسارات تمكّن أصحاب الهمم من الإسهام الفاعل في مختلف القطاعات والصناعات المستقبلية.

وفي دولة الإمارات، انعكس هذا التوجه على الجهود طويلة الأمد لتمكين أصحاب الهمم من أداء أدوار أكثر نشاطًا في الاقتصاد، خصوصًا في المجالات المرتبطة بالاستدامة والابتكار والتنمية المستقبلية، من خلال دعم مشاركتهم كروّاد أعمال وعاملين وشركاء في مسيرة النمو الوطني.

وتعود هذه الرؤية إلى إرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي دعا إلى إشراك جميع أفراد المجتمع في عملية بناء الوطن. ومن أبرز النماذج المبكرة على ذلك، إطلاق مشروع الزراعة المائية المتكاملة عام 2011، بعد خمس سنوات فقط من اعتماد الإمارات لاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث جمع المشروع بين الزراعة المستدامة والمشاركة المهنية لأصحاب الهمم.

وقد تم تطوير المشروع بالتعاون بين صندوق خليفة لتطوير المشاريع وهيئة زايد لأصحاب الهمم، انطلاقًا من قناعة بأن الدمج يصبح أكثر تأثيرًا عندما يكون جزءًا من بيئات اقتصادية إنتاجية.

الزراعة المستدامة الشاملة

تعتمد أنظمة الزراعة المائية المتكاملة (الأكوابونيك) على دمج تربية الأسماك مع الزراعة العضوية ضمن دورة مائية مغلقة، حيث تتحول مخلفات الأسماك بشكل طبيعي إلى مغذيات للنباتات دون الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية أو المبيدات. كما تساهم هذه التقنية في تقليل استهلاك المياه بأكثر من 85% مقارنة بالزراعة التقليدية، بما يعزز الاستدامة البيئية إلى جانب المشاركة الاقتصادية الشاملة.

وبالإضافة إلى فوائدها البيئية، أتاح المشروع مسارات تدريب مهني منظمة لما بين 30 و40 من أصحاب الهمم، مما مكّن المشاركين من تطوير مهارات عملية ضمن بيئة إنتاجية حقيقية.

ويمتد المشروع على مساحة تقارب 4,000 متر مربع، وينتج سنويًا نحو 10 أطنان من الأسماك و50 طنًا من المحاصيل العضوية، من بينها الخيار والفراولة.

كما أظهرت بيانات الإنتاج خلال السنوات الثلاث الماضية استقرارًا تشغيليًا وقدرة على التوسع، حيث ارتفع إنتاج المحاصيل العضوية بنسبة تقارب 29% بين عامي 2023 و2025، ما يعكس نموًا مستدامًا في الإنتاجية ضمن بيئة عمل شاملة.

واليوم، تُورَّد المنتجات العضوية الخاصة بالمشروع إلى عدد من أبرز منافذ البيع بالتجزئة في دولة الإمارات، بما في ذلك كارفور ولولو هايبرماركت، ما يعكس تحولًا حقيقيًا في مفهوم الدمج من الدعم الاجتماعي إلى المشاركة في الأسواق التجارية.

ويؤكد هذا الاندماج في سلاسل التوريد الكبرى قدرة النماذج الإنتاجية الشاملة على تلبية معايير الجودة والاستمرارية المطلوبة لدى كبرى الجهات التجارية، بما يعزز الجدوى الاقتصادية للمشروعات الشاملة.

كما يعكس تنامي الطلب الاستهلاكي على المنتجات المحلية المستدامة والمسؤولة اجتماعيًا، وهو توجه بات يؤثر بشكل متزايد على قرارات الشراء في الأسواق العالمية.

وتُظهر الإيرادات السنوية التقديرية أن النماذج الإنتاجية الشاملة قادرة على تحقيق قيمة اقتصادية حقيقية بالتوازي مع دعم أنظمة الغذاء المستدامة، فيما تؤكد البيانات التشغيلية استقرار إنتاج الأسماك واستمرارية العوائد، ما يعزز مكانة المشروع كنموذج إنتاجي مستدام وشامل.

كما يوفر المشروع ما بين 30 و40 فرصة عمل مباشرة في مجالات الزراعة والحصاد والتغليف، إلى جانب فرص غير مباشرة في مجالات الخدمات اللوجستية والتوزيع والإشراف الفني، بما يعكس كيف يمكن للدمج أن يتحول من إطار قائم على الدعم إلى نموذج يرتكز على المشاركة والمساهمة الاقتصادية.

الأنظمة الزراعية الشاملة المدعومة بالذكاء الاصطناعي

مع تزايد دمج التكنولوجيا في القطاع الزراعي، من المتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا أكبر في تحسين أنظمة الإنتاج الزراعي المغلقة. وتعتمد الزراعة المائية المتكاملة على الحفاظ على توازنات بيولوجية دقيقة بين الأنظمة السمكية ودورات تغذية النباتات، ما يجعلها مناسبة جدًا لأدوات المراقبة المعتمدة على البيانات.

ويمكن لأجهزة الاستشعار المدعومة بالذكاء الاصطناعي متابعة جودة المياه ومستويات المغذيات والظروف البيئية، بما يتيح إجراء تعديلات استباقية تعزز الاستقرار والإنتاجية وكفاءة استخدام الموارد.

كما تساهم هذه الأنظمة الذكية في تعزيز سهولة الوصول إلى بيئات العمل وتبسيط العمليات التشغيلية، بما يدعم توفير بيئات عمل أكثر تكيفًا وشمولًا.

وعندما تتكامل أنظمة الاستدامة مع الابتكار الرقمي، فإنها تفتح المجال أمام توسيع مشاركة القوى العاملة في القطاعات المرتبطة باقتصاد المستقبل.

الاستدامة وكفاءة استخدام الموارد

يسهم نظام الأكوابونيك بشكل مباشر في دعم معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية، من خلال خفض استهلاك المياه بنسبة تتجاوز 85% مقارنة بالزراعة التقليدية، والاستغناء عن الأسمدة الكيميائية، وتقليل الهدر الغذائي عبر دورات إنتاج منظمة، فضلًا عن الحد من الانبعاثات المرتبطة بالنقل بفضل الإنتاج المحلي.

وتزداد أهمية هذه العوامل في ظل تركيز الدول على تحقيق الاكتفاء الغذائي والتكيف مع التغير المناخي وتعزيز استقرار سلاسل الإمداد.

كما تعزز مشاركة أصحاب الهمم في القطاعات المستدامة من المرونة الاقتصادية طويلة الأمد، عبر توسيع القاعدة الإنتاجية للمجتمع.

توسيع نماذج الابتكار الشامل

حظي المشروع باهتمام أكاديمي، شمل التعاون مع جامعة الإمارات العربية المتحدة وتفاعل عدد من المؤسسات الإقليمية الراغبة في استكشاف نماذج مشابهة في المجالات التعليمية والتطبيقية.

وتؤكد قابلية المشروع للتوسع كيف يمكن للابتكار الشامل أن ينتقل من مبادرات تجريبية إلى نماذج قابلة للتطبيق على نطاق أوسع بما يتماشى مع الاستراتيجيات الوطنية للاستدامة.

وبعد عقدين من اعتماد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يواصل الحوار العالمي حول الدمج تطوره من مفهوم “الوصول” إلى مفهوم “المشاركة”.

ومن المرجح أن تتحدد المرحلة المقبلة من الدمج بمدى قدرة المجتمعات على دمج مفاهيم سهولة الوصول داخل منظومات الابتكار، بما يضمن بقاء الصناعات المستقبلية مفتوحة أمام مختلف الكفاءات.

الدمج كقوة دافعة للنمو المستدام

مع انتقال الاقتصادات العالمية نحو نماذج قائمة على الاستدامة، أصبح الدمج يُنظر إليه بشكل متزايد باعتباره محركًا للإنتاجية وليس مجرد هدف اجتماعي موازٍ.

فالأطر الاقتصادية الشاملة قادرة على توسيع مشاركة القوى العاملة، وتعزيز الاستقرار المجتمعي من خلال المشاركة الإنتاجية، وتقليل تكاليف الاعتماد طويل الأمد، إلى جانب الاستفادة من الطاقات البشرية غير المستغلة ودعم الابتكار عبر تنوع الخبرات ووجهات النظر.

ويمثل مشروع الأكوابونيك مثالًا على كيفية توافق مبادئ التصميم الشامل مع القطاعات المستقبلية مثل الزراعة المستدامة والاقتصاد الدائري والإدارة الذكية للموارد.

والرسالة الأهم واضحة: يصبح الدمج أكثر قوة عندما يتيح للأفراد فرصة الإسهام الحقيقي.

ومع تأمل المجتمع الدولي عقدين من التقدم في إطار اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تبقى الفرصة الحقيقية في بناء أنظمة تمكّن الأفراد ليس فقط من المشاركة في المجتمع، بل من المساهمة في بناء مستقبله الاقتصادي.

إن النمو الشامل ليس مجرد أولوية اجتماعية، بل ضرورة اقتصادية.

15 Views
Scroll to top
Close
Browse Categories
Browse Tags