من الوعي إلى الفعل: نموذج أبوظبي المتطور لدمج التوحّد – مقالة لسعادة عبدالله الحميدان

على مرّ السنوات، التقيتُ بالعديد من أولياء الأمور الذين يشاركون القلق ذاته: كيف يمكن ضمان أن يحظى أطفالهم من ذوي اضطراب طيف التوحّد بفرصة عيش حياتهم اليومية بثقة وكرامة؟

في الثاني من أبريل من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي للتوعية بالتوحّد، وهو مناسبة مخصّصة لتعزيز فهم هذا الاضطراب وتسليط الضوء على تجارب الأفراد ضمن طيفه.

ولسنوات طويلة، شكّل هذا اليوم فرصة لإبراز قضية التوحّد في الفضاء العام. غير أنّ الوعي وحده لا يكفي بالنسبة لكثير من الأسر؛ فالأهم هو مدى تهيئة البيئات اليومية — من المطارات إلى مراكز التسوّق والمرافق الترفيهية — بما يتيح لأطفالهم المشاركة المريحة والآمنة في الحياة المجتمعية.

نحن نؤمن بأن بناء بيئات دامجة ليس مجرد مسؤولية، بل هو استثمار.

في أبوظبي، بات هذا المفهوم يشكّل إطارًا متناميًا للتعامل مع دمج التوحّد. فعلى مدى العقد الماضي، عملت الإمارة على بناء منظومة متكاملة تتجاوز الوعي إلى الحلول العملية، من خلال دمج البحث العلمي، والتدريب المهني، وتهيئة البيئات الداعمة للأسر في حياتها اليومية.

وفي صميم هذه الجهود، تأتي هيئة زايد لأصحاب الهمم، الجهة الحكومية التي تنطلق من خلالها مساعي تطوير الخدمات، وتعزيز المعرفة، وتوسيع نطاق التعاون الدولي في مجال التوحّد.

ومن أبرز مبادرات الهيئة المؤتمر الدولي للتوحّد في أبوظبي، الذي تحوّل إلى منصة عالمية للحوار وتبادل البحوث والتعاون في صياغة السياسات.

ويعكس نموّ المؤتمر الاهتمام الدولي المتزايد بنموذج أبوظبي؛ ففي نسخته الأولى عام 2023، استقطب 55 متحدثًا، بينهم 22 خبيرًا دوليًا، وبمشاركة نحو 700 شخص. وفي عام 2024، تضاعفت الأرقام تقريبًا لتصل إلى 100 متحدث وأكثر من 1,000 مشارك.

أما في عام 2025، فقد توسّع المؤتمر بشكل أكبر، حيث استضاف 120 متحدثًا من مختلف أنحاء العالم، بينهم 59 خبيرًا دوليًا، واستقبل أكثر من 2,000 مشارك. وتشير التوقعات الأولية لنسخة 2026 — التي ستُعقد حضوريًا وافتراضيًا — إلى نمو متوقّع يتراوح بين 50 و60% في عدد المتحدثين والحضور، بما يعزّز مكانة أبوظبي كمركز عالمي للتعاون والابتكار في مجال التوحّد.

ومع ذلك، فإن المؤتمرات وحدها لا تصنع الدمج الحقيقي؛ إذ يبدأ التقدّم الفعلي عندما تلمس الأسر التغيير في تفاصيل حياتها اليومية.

ومن الأمثلة على ذلك ياس مول، أحد أكبر وجهات التسوق في المنطقة، الذي بادر إلى إنشاء غرفة هادئة مخصّصة، متاحة طوال أيام الأسبوع، لتوفير مساحة داعمة وآمنة للأطفال عند الحاجة للابتعاد عن المثيرات الحسية.

كما امتدّت الممارسات الدامجة إلى أبرز الوجهات الترفيهية في أبوظبي. وبالتعاون مع دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي ومجموعة ميرال وهيئة زايد لأصحاب الهمم، قامت وجهات عالمية مثل عالم وارنر براذرز أبوظبي وسي وورلد أبوظبي بتوفير وحدات هادئة (كبسولات)، وهي مساحات مصمّمة لتمكين الأطفال وأسرهم من الاستراحة بعيدًا عن الضغط الحسي، مع الاستمرار في الاستمتاع بتجربتهم.

وتتيح هذه المبادرات للأسر الاستمتاع بوجهات ترفيهية عالمية، مع ضمان بيئة آمنة ومريحة للأطفال الذين قد يحتاجون إلى لحظات من الهدوء.

ويمتد هذا الالتزام ليشمل قطاع السفر أيضًا؛ حيث قدّم مطار زايد الدولي خدمات متخصّصة لدعم المسافرين من ذوي التوحّد والإعاقات غير الظاهرة، بما يضمن تجربة سفر أكثر سلاسة وراحة للأسر.

وبالتوازي مع تهيئة البيئات، يظل تمكين الأسر ركيزة أساسية في استراتيجية أبوظبي للتعامل مع التوحّد.

فمنذ أكثر من خمس سنوات، تقدّم هيئة زايد لأصحاب الهمم برنامجًا تدريبيًا متخصصًا لأولياء أمور الأطفال من ذوي التوحّد، بإشراف فريق متعدد التخصصات. ويهدف البرنامج إلى تزويد الأسر بأدوات عملية واستراتيجيات فعّالة لدعم نمو أطفالهم في المنزل وفي مختلف البيئات.

وقد استفاد من هذا البرنامج حتى الآن أكثر من 3,000 من أولياء الأمور بشكل مجاني، تأكيدًا على أن تمكين الأسرة هو أحد أكثر السبل تأثيرًا في دعم الأطفال ضمن طيف التوحّد.

كما تمتد جهود الهيئة إلى التعاون الدولي، من خلال شراكات مع جهات مثل توبلاند، حيث أُطلقت مبادرات من بينها غرفة تجربة واقع التوحّد، التي تتيح للمعلمين والمتخصصين وأفراد المجتمع فهمًا أعمق للتجارب الحسية التي يمرّ بها الأفراد ضمن الطيف.

وخلال العامين الماضيين فقط، شارك أكثر من 3,500 شخص في هذه التجربة، من بينهم ممثلون عن أكثر من 40 مدرسة، مما أسهم في تعزيز الوعي المهني داخل البيئات التعليمية.

كما شهدت مبادرات التوعية المجتمعية توسعًا من خلال برنامج عبّاد الشمس للإعاقات الخفية، الذي يتيح للأفراد من ذوي الإعاقات غير الظاهرة التعبير عن حاجتهم إلى مزيد من التفهّم والدعم.

وحتى اليوم، تم توزيع أكثر من 100,000 شريط يحمل شعار عباد الشمس، كما تضم الشبكة 65 جهة عضوًا، مع نحو 30 شريكًا نشطًا من الفنادق والمطارات ومنافذ البيع والشركات.

تعكس هذه المبادرات مجتمعة تحوّلًا مهمًا في فهم دمج التوحّد في أبوظبي. فبدلًا من التركيز على الخدمات المتخصصة فقط، باتت الاستراتيجية تركّز على بناء بيئات شاملة تدعم الأفراد والأسر في تفاصيل حياتهم اليومية.

ومع إحياء العالم لليوم العالمي للتوعية بالتوحّد، تقدّم تجربة أبوظبي درسًا مهمًا: إن الدمج الحقيقي لا يتحقّق عبر مبادرات منفصلة، بل يُبنى من خلال منظومات متكاملة، تتكامل فيها السياسات والمؤسسات والأعمال والمجتمع، لخلق بيئات تتيح لكل فرد المشاركة بثقة في المجتمع.

وفي هيئة زايد لأصحاب الهمم، نؤمن بأن بناء بيئات دامجة ليس مجرد مسؤولية، بل هو استثمار في مجتمع يملك فيه كل فرد فرصة حقيقية للازدهار.

عن جريدة انترناشونال بيزنس تايمز. 

19 Views
Scroll to top
Close
Browse Categories
Browse Tags