السلام حين يصبح ضرورة مناخية – مقالة لمعالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي
لم تعد الحروب في عالم اليوم شأنًا سياسيًا فحسب، ولا حدثًا عابرًا في جغرافيا متوترة، فالحرب الروسية‑الأوكرانية، التي دخلت عامها الثالث، كشفت أن النزاعات المسلحة باتت عبئًا مناخيًا لا يقل خطورة عن آثارها الإنسانية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تبرز استضافة دولة الإمارات المساعي الدولية الرامية إلى وقف الحرب بوصفها خطوة تتجاوز حدود الوساطة السياسية إلى أفق أوسع، حيث يصبح السعي إلى السلام عملاً بيئياً بامتياز.
فالتقديرات الحديثة تشير إلى أن الحرب أنتجت خلال ثلاث سنوات ما يقارب 230 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يعادل الانبعاثات السنوية لأربع دول أوروبية مجتمعة. أما بعد ثمانية عشر شهرًا من اندلاعها، فقد بلغت الانبعاثات نحو 150 مليون طن، أي ما يعادل انبعاثات دولة صناعية متوسطة مثل بلجيكا. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات بيئية، بل هي شهادة على حجم الدمار الذي يطال الإنسان والطبيعة معًا.
وتتوزع هذه الانبعاثات على مصادر متعددة: الوقود العسكري الذي يشكل النسبة الأكبر، تدمير البنية التحتية وما يرافقه من إطلاق للكربون المختزن في مواد البناء، حرائق الغابات والأراضي الزراعية، والنزوح السكاني الذي يضاعف استهلاك الطاقة والنقل. غير أن المفارقة الأشد وضوحًا تكمن في أن إعادة الإعمار نفسها-وهي فعل حياة- ستكون مصدرًا كبيرًا للانبعاثات، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو ثلث الانبعاثات المسجلة في الفترة الأولى من الحرب مرتبط بعمليات إعادة البناء. وهذا يعني أن أثر الحرب المناخي سيظل ممتدًا حتى بعد توقف القتال.
البعد التاريخي والجغرافي.. لفهم جذور الأزمة:
لا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن البعد التاريخي الذي يربط روسيا وأوكرانيا. فالعلاقة بين البلدين تمتد لقرون، تعود جذورها إلى دولة كييفان روس في العصور الوسطى، حين كانت كييف مركزًا سياسيًا وثقافيًا للدولة السلافية الأولى. ورغم هذا الإرث المشترك، تطورت الهوية الأوكرانية عبر مسار مستقل، واحتفظ الشعب الأوكراني بخصوصيته الثقافية والسياسية رغم تعاقب الإمبراطوريات.
ومع قيام الاتحاد السوفييتي في القرن العشرين، أصبحت أوكرانيا إحدى الجمهوريات الخمس عشرة المكوّنة للمنظومة السوفييتية، لكنها بقيت كيانًا جمهورياً له مؤسساته وحدوده، وإن كان خاضعًا لسلطة مركزية في موسكو. وبعد انهيار الاتحاد عام 1991، حصلت أوكرانيا على استقلالها الكامل، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة وتعزيز الهوية الوطنية، غير أن هذا التحول ترك وراءه ملفات سياسية وجغرافية معقدة أسهمت في تشكيل التوترات الحالية.
وتكتسب هذه الخلفية أهمية إضافية عند النظر إلى الموقع الجغرافي لأوكرانيا، فهي دولة تقع في قلب أوروبا الشرقية، وتعد جسرًا بين الشرق والغرب، وتبلغ مساحتها نحو 603 آلاف كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر دولة أوروبية من حيث المساحة بعد روسيا. ويبلغ عدد سكانها قرابة 43 مليون نسمة قبل الحرب، موزعين على مدن صناعية وزراعية تشكل جزءًا مهمًا من الأمن الغذائي الأوروبي. هذا الموقع، وهذه الكثافة، وهذا الإرث التاريخي، كلها عوامل تجعل من الحرب أكثر تعقيدًا، ومن آثارها البيئية أكثر اتساعًا.
الإمارات… دبلوماسية تربط الأمن المناخي بالأمن الجيوسياسي:
في ضوء هذه المعطيات، تكتسب الجهود الإماراتية بعدًا يتجاوز إطارها السياسي. فالإمارات، التي رسخت حضورها العالمي في العمل المناخي واستضافت مؤتمرات كبرى مثل COP28، تدرك أن السلام ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل هو ضرورة بيئية. فوقف الحرب يعني عمليًا وقف أحد أكبر مصادر الانبعاثات المفاجئة في العالم، وتجنب انبعاثات إعادة الإعمار التي قد تمتد لعقود، وحماية النظم البيئية في أوروبا من حرائق وتلوث طويل الأمد.
إن الربط بين الأمن المناخي والأمن الجيوسياسي لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح شرطًا لفهم طبيعة التحديات التي يواجهها العالم. فالدول لا تستطيع أن تتحدث عن خفض الانبعاثات بينما تستنزفها الحروب، ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يحقق أهدافه المناخية بينما تشتعل الصراعات في قلب القارة الأوروبية. ومن هذا المنطلق، تتحول الوساطة الإماراتية إلى مساهمة مباشرة في حماية المناخ العالمي، وإلى نموذج لدبلوماسية ترى أن الاستدامة تبدأ من إطفاء نيران النزاعات قبل إطفاء نيران المصانع.
إن استضافة الإمارات جهود وقف الحرب الروسية‑الأوكرانية ليست مجرد خطوة دبلوماسية، بل هي خطوة تحمل في جوهرها رسالة بيئية واضحة: أن حماية الكوكب تبدأ من حماية الإنسان، وأن السلام هو الطريق الأقصر نحو مستقبل أقل انبعاثًا وأكثر استدامة.


