لعنة المضيق بين الصديق والخصم – مقالة لمعالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي

بالنسبة لكثيرين خارج العالم العربي، يُختزل مضيق هرمز غالبًا في كونه ممرًا مائيًا ضيقًا تتدفق عبره شحنات النفط إلى الأسواق العالمية. إلا أن هذا المضيق أكثر بكثير من مجرد نقطة اختناق لوجستية؛ فهو ساحة تاريخية تصادمت فيها الإمبراطوريات، وصعدت وسقطت فيها القوى البحرية، وشكّلت جغرافية الخليج مصائر سياسية عبر قرون طويلة. ولكي نفهم التوترات الراهنة من تبادل الضربات الصاروخية، والتهديدات الموجهة للملاحة، وحالات الاستعراض الجيوسياسي للقوة، لا بد أولًا من إدراك أن مضيق هرمز كان دائمًا مكانًا يتعايش فيه التجارة والصراع، وتتلازم فيه الفرصة والهشاشة، وتتقاطع فيه مصالح القوى العالمية مرارًا وتكرارًا.

يعود مضيق هرمز إلى دائرة الضوء كلما اهتزت المنطقة، وكأن هذا الممر الضيق لا يعرف السكون حقًا. فهو الشريان الذي يمد العالم بالطاقة، وفي الوقت ذاته يثير القلق ويكشف هشاشة الأمن الإقليمي والدولي. إن التوترات الحالية والضربات المتبادلة ليست استثناءً، بل هي أحدث فصول تاريخ طويل جعل من المضيق نعمة اقتصادية ولعنة استراتيجية في آنٍ واحد، للصديق والخصم على حد سواء.

قبل أن يصبح ممرًا لناقلات النفط، كان المضيق بوابة الخليج وساحة تنافس بين الإمبراطوريات المتعاقبة. فمنذ العصور الأولى للتجارة البحرية، شكّل هرمز نقطة تحكم في الطرق التجارية التي تربط الهند وشرق أفريقيا وفارس والعراق وشبه الجزيرة العربية. ومن يهيمن على المضيق يسيطر على شريان الاقتصاد في المنطقة. وبما أن مفهوم السيادة البحرية الحديث لم يكن قد ظهر بعد، فقد كانت القوة تُقاس ليس بطول السواحل، بل بقوة الأساطيل. ولهذا الواقع، لم يتمكن العرب، رغم امتلاكهم الضفتين الشرقية والغربية للخليج، من فرض سيطرة كاملة على المضيق خلال فترات طويلة من التاريخ.

لم يكن غياب الهيمنة البحرية العربية ناتجًا عن ضعف، بل عن طبيعة النظام الدولي القديم، الذي كانت فيه البحار تُحكم بالمدافع لا بالجغرافيا. فقد بقي الساحل الشمالي للمضيق تحت النفوذ الفارسي منذ العهدين الأخميني والساساني، ثم استولى البرتغاليون على هرمز عام 1507، قبل أن تفرض بريطانيا لاحقًا تفوقها البحري تحت شعار حماية الطريق إلى الهند. وهكذا ظل المضيق خارج السيطرة العربية المباشرة، بينما كانت السواحل العربية تراقب السفن العابرة دون امتلاك القدرة على تنظيم حركتها.

مع ذلك، شهد الخليج لحظات نادرة استطاعت فيها قوى عربية محلية فرض حضورها في ميزان القوى البحري. ففي عهد اليعاربة، برزت عُمان قوة بحرية صاعدة، نجحت في طرد البرتغاليين من مسقط ثم من شرق أفريقيا، وبناء أسطول قادر على تأمين مدخل الخليج. وفي ظل حكم البوسعيديين، بلغ النفوذ العُماني ذروته ممتدًا من بندر عباس إلى زنجبار. إن منطق القوة الذي حكم تلك المرحلة ما زال يتردد صداه حتى اليوم. وخلال التصعيدات الأخيرة، لوّح الرئيس ترامب علنًا بشن ضربات عسكرية ردًا على التحركات الإيرانية قرب المضيق، في تأكيد جديد على أن هرمز لم يكن يومًا قضية إقليمية بحتة.

كما استقطب المضيق اهتمام الإمبراطوريات الأوروبية في القرون الماضية، فإنه لا يزال يجذب القوى العالمية التي ترى أن أمنه مرتبط مباشرة بمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. وتؤكد هذه الحقيقة المتكررة أن مضيق هرمز كان دائمًا مسرحًا تتقاطع فيه الديناميكيات المحلية مع الحسابات الدولية. وقد أصبحت عُمان القوة العربية الوحيدة القادرة على التأثير في حركة الملاحة قرب المضيق، حتى وإن بقيت السيطرة الكاملة أمرًا بعيد المنال بسبب النفوذ الفارسي والحضور الأوروبي.

في موازاة ذلك، لعب القواسم دورًا مهمًا في تعزيز القوة البحرية العربية، خصوصًا في مواجهة التوسع البرتغالي ثم البريطاني. ولم يصل تعاونهم مع اليعاربة إلى حد السيطرة المباشرة على المضيق، لكنه ساهم في تأمين طرق التجارة وإضعاف النفوذ الأوروبي، وخلق لحظة نادرة من التوازن البحري العربي في منطقة كانت البحار فيها تُدار بالأساطيل لا بالخرائط.

أما القرن العشرون فقد حمل تحولًا جذريًا. فقد نشأت دول الخليج الحديثة، وتطورت القدرات العسكرية، وبدأ القانون الدولي يربط بين سيادة الدول الساحلية واختصاصاتها البحرية. ومع اكتشاف النفط، تحول المضيق من طريق تجاري تقليدي إلى شريان عالمي للطاقة يمر عبره ما يقارب ثلث النفط المنقول بحرًا في العالم. وأصبحت السيطرة على المضيق قضية أمن دولي ترتبط بمصالح القوى الكبرى من الولايات المتحدة إلى أوروبا والصين.

وفي ظل هذه التحولات، أعادت إيران مؤخرًا طرح فكرة فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، في محاولة لخلق أوراق ضغط سياسية واقتصادية خارج الأطر القانونية. غير أن هذا السلوك ليس جديدًا؛ فقد حاول البرتغاليون الأمر نفسه في القرن السادس عشر عندما حوّلوا هرمز إلى محطة لجباية الرسوم البحرية عبر نظام «الكرتاز».

في ذلك الوقت، توحدت القوى الإقليمية والدولية، من عُمان إلى بريطانيا، لمواجهة هذه الممارسة، وانتهى الأمر بطرد البرتغاليين من الخليج. وتؤكد هذه السابقة التاريخية حقيقة أساسية مفادها أنه مهما حاولت بعض الدول تسييس المضيق أو تحويله إلى مصدر للجباية، فإنه يظل ممرًا مائيًا دوليًا يخضع لقانون البحار. فلا دولة واحدة تملكه، ولا يحق لأي طرف فرض رسوم أو قيود أحادية عليه.

اليوم يكشف المضيق مجددًا عن مفارقته الدائمة؛ فهو الممر الذي تعتمد عليه الدول نفسها التي تخشاه. فالتوترات الإقليمية، والضربات المتبادلة، والتهديدات بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه، كلها تعيد إنتاج أنماط تاريخية قديمة بصيغة حديثة. فهرمز لم يكن مجرد مسطح مائي، بل هو محور جيوسياسي تتقاطع عنده المصالح، وتتصادم فيه القوى، ويُختبر عبره استقرار المنطقة. وبينما تتبدل التحالفات على اليابسة، يبقى المضيق ثابتًا في دوره كساحة دائمة لإدارة الصراعات وحماية المصالح العالمية.هكذا يظل مضيق هرمز لعنة على الصديق والخصم معًا: لعنة على الخصوم الذين لا يستطيعون تجاوزه، ولعنة على الحلفاء الذين لا يمكنهم الاستغناء عنه. بين هاتين الحقيقتين، يواصل المضيق أداء دوره القديم والحديث؛ بوابةً إلى الخليج، ومسرحًا للصراع، ومرآةً للتوازنات الإقليمية التي تتغير فوق الماء أسرع مما تتغير على اليابسة.

29 Views
Scroll to top
Close
Browse Categories
Browse Tags