الاتفاق الهش: من نزاع نووي إلى مواجهة استراتيجية أوسع – مقالة لمعالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي

لم يكن النزاع بين إيران ومحيطها الإقليمي والدولي يومًا بهذه الدرجة من التعقيد كما هو اليوم. فقبل الحرب، كان الصراع يتمحور حول الملف النووي — وهو ملف تقني-سياسي يمكن التعامل معه عبر ترتيبات محددة، وآليات تفتيش، وجداول زمنية، ورفع تدريجي للعقوبات. ورغم التوترات المتكررة، ظل الخلاف محصورًا ضمن إطار قابل للتفاوض، يمكن إدارته عبر القنوات الدبلوماسية أو الضغوط الاقتصادية المحسوبة. لكن الحرب الأخيرة لم تكتفِ بتغيير طبيعة النزاع؛ بل أعادت تشكيل البيئة التي يُدار فيها هذا النزاع، ووسّعت نطاقه ليشمل قضايا لم تكن مطروحة أصلًا على طاولة التفاوض. وهذا ما يجعل أي اتفاق جديد هشًا بطبيعته، لأنه يحاول معالجة واقع أكثر تعقيدًا بكثير من ذلك الذي كان قائمًا قبل الحرب.

 

لقد انتقل الصراع من كونه ملفًا نوويًا إلى شبكة متداخلة من المواجهات الإقليمية. فالسؤال اليوم لم يعد ما إذا كانت إيران ستقبل بقيود على برنامجها النووي، بل كيف يمكن احتواء دولة يمتد نفوذها العسكري والسياسي عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن؟ وكيف يمكن ضمان أمن الممرات البحرية في الخليج بعد أن أثبتت الحرب أن مضيق هرمز يمكن أن يتحول إلى نقطة اختناق عالمية خلال ساعات؟ وكيف يمكن فصل قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة عن أي تسوية سياسية شاملة، بعدما أثبتت الحرب أن هذه القدرات أصبحت عنصرًا محوريًا في معادلة الردع الإيرانية؟ هذه الأسئلة لم تكن مطروحة قبل الحرب، ولهذا يبدو أي اتفاق اليوم هشًا؛ لأنه يسعى لمعالجة نتائج حرب لم تنتهِ فعليًا، وصراعات ما زالت مفتوحة، وموازين قوى لم تستقر بعد.

 

ومن أبرز التحولات العميقة التي أفرزتها الحرب، التغيير الجذري في نظرة دول الخليج إلى إيران. فقبل الصراع، كانت مستويات الثقة تختلف من دولة خليجية إلى أخرى، وكانت هناك قنوات مفتوحة ومساحات للحوار، وتباين في أساليب التعامل مع طهران. لكن الحرب قلبت هذا المشهد بالكامل. فالاعتداءات على البنية التحتية الحيوية، والتهديدات التي طالت الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف السفن والمنشآت الحيوية، والتصعيد الذي امتد إلى دول لم تكن طرفًا مباشرًا في النزاع، كلها دفعت دول الخليج إلى استنتاج مشترك: أن النظام الإيراني لم يعد محل ثقة، وأن أي اتفاق معه سيظل هشًا ما لم يتغير سلوكه الإقليمي بشكل جذري. وهذا التحول سيعمّق عزلة إيران عن محيطها العربي، وسيجعل أي تقارب مستقبلي أبطأ وأكثر مشروطية وصعوبة، لأن الثقة التي فُقدت لم تكن سياسية فقط، بل استراتيجية واقتصادية وأمنية أيضًا.

 

وتزداد هشاشة هذا الاتفاق مع عودة إيران لإطلاق مزاعم تتعلق بـ”سيطرة موسعة” على مواقع داخل دولة الإمارات العربية المتحدة — وهي ادعاءات لا تستند إلى أي أساس قانوني أو تاريخي أو سياسي. فهذه التصريحات ليست معزولة، بل تأتي ضمن استراتيجية إيرانية أوسع لإعادة تشكيل المشهد ما بعد الحرب، واختبار ردود الفعل الخليجية، وصناعة أوراق تفاوضية لا وجود حقيقي لها. غير أن هذا الخطاب لا يؤدي إلا إلى تعميق عزلة إيران الإقليمية، خاصة في وقت وصلت فيه دول الخليج إلى مستوى غير مسبوق من الإجماع على أن الثقة بالنظام الإيراني قد انهارت. ومن خلال محاولة فرض وقائع جديدة عبر ادعاءات أحادية الجانب، تعزز طهران حالة عدم الاستقرار التي تجعل أي اتفاق مستقبلي هشًا، وتؤكد أنها ما زالت تتعامل مع السياسة الإقليمية بمنطق الإكراه لا بمنطق الشرعية والقانون.

 

وفي هذا المناخ، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى توقف تكتيكي مؤقت منها إلى نهاية حقيقية للحرب. فهي هدنة فرضتها الضرورة لا القناعة. فالولايات المتحدة تبحث عن هدوء يمنع انفجارًا جديدًا في الخليج. وإيران تسعى إلى اعتراف بدورها الإقليمي وبما تعتبره نفوذًا على مضيق هرمز. أما دول الخليج فتبحث عن استقرار يمنع تكرار الهجمات على منشآتها الحيوية. وأوروبا تريد حماية إمدادات الطاقة، بينما تسعى الصين إلى ضمان استمرار طرق التجارة دون انقطاع. هذا التباين في المصالح يجعل الاتفاق عرضة للانهيار عند أول اختبار حقيقي، لأن كل طرف يدخل إليه بحسابات مختلفة لا تنسجم مع حسابات الآخرين.

 

وتتضح هشاشة الاتفاق بشكل أكبر عند النظر إلى ملف إعادة الإعمار، الذي يشكل عبئًا سياسيًا واقتصاديًا هائلًا. فقد خلّفت الحرب دمارًا واسعًا في البنية التحتية الإيرانية، والمنشآت النفطية، والموانئ، وشبكات الكهرباء، والمناطق الصناعية. وتشير التقديرات الأولية، استنادًا إلى تجارب مشابهة، إلى أن إعادة الإعمار قد تتجاوز 250 إلى 300 مليار دولار خلال العقد المقبل. لكن السؤال الجوهري يبقى: من سيدفع هذه التكلفة؟ فإيران لا تمتلك القدرة المالية الكافية، والولايات المتحدة لن تموّل إعادة إعمار خصمها، ودول الخليج لن تستثمر في دولة لم تعد تثق بها، كما أن الصين وأوروبا لن تضخّا الأموال دون ضمانات سياسية وأمنية واضحة. وهكذا يتحول ملف إعادة الإعمار إلى جزء من هشاشة الاتفاق، لأنه يضيف عبئًا اقتصاديًا لا يرغب أي طرف في تحمله، ويجعل أي تسوية سياسية ناقصة ما لم تترافق مع إطار اقتصادي واضح.

 

وتزداد الصورة تعقيدًا مع محاولة إيران ربط إعادة الإعمار بفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز. ورغم أن مثل هذا الطرح يفتقر إلى أي أساس قانوني وفقًا لقواعد القانون البحري الدولي، فإن طهران تنظر إليه باعتباره أحد الخيارات القليلة المتاحة لتمويل مرحلة ما بعد الحرب في ظل غياب الدعم الخارجي. غير أن المضي في هذا المسار سيؤدي إلى تعميق عزلة إيران، ووضعها في مواجهة مباشرة مع دول الخليج والمجتمع الدولي، كما سيحوّل المضيق من ممر عالمي محايد إلى أداة للضغط الاقتصادي. وهكذا يصبح ملف إعادة الإعمار ليس مجرد عبء مالي، بل عاملًا إضافيًا يهدد أي اتفاق سياسي، ويفتح الباب أمام صراع جديد حول حرية الملاحة وشرعية التحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

كما أن فهم هشاشة الاتفاق يتطلب النظر إلى الطريقة التي أعادت بها الحرب تشكيل صورة الولايات المتحدة نفسها. فالحرب لم تغيّر إيران وحدها، بل غيّرت أيضًا صورة واشنطن لدى حلفائها وخصومها. فأوروبا ستتساءل عمّا إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال شريكًا يمكن الاعتماد عليه لضمان الاستقرار، أم أنها أصبحت طرفًا يجرّ القارة إلى أزمات لا ترغب بها. أما الصين فستقرأ الحرب من زاوية مختلفة: هل ما تزال واشنطن شريكًا اقتصاديًا موثوقًا، أم أنها قوة قادرة على تعطيل التجارة وطرق الطاقة عند كل توتر؟ وفي الشرق الأوسط، ستُعاد صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة على أساس ما إذا كانت شريكًا لصناعة السلام، أم مجرد شريك لإدارة الأزمات. وهذه الأسئلة ستؤثر على التحالفات، وتدفقات الاستثمار، ومكانة الولايات المتحدة داخل النظام الدولي.

18 Views
Scroll to top
Close
Browse Categories
Browse Tags