عندما تتداخل الأزمات البحرية: من هرمز إلى تايوان – مقالة لمعالى الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي

في عالمٍ تتداخل فيه الجغرافيا بصورة متزايدة مع الجيوبوليتيكا، لم تعد الممرات البحرية الاستراتيجية مجرد ممرات ضيقة على الخريطة، بل أصبحت مسارح صامتة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، وتنعكس فيها توترات النظام الدولي بأوضح صورها. ويبرز اليوم مضيقان بوصفهما نموذجًا لهذا التحول: مضيق هرمز، الشريان العالمي للطاقة، ومضيق تايوان، الذي بات محورًا رئيسيًا للتجارة والتكنولوجيا المتقدمة في شرق آسيا. وعلى الرغم من اختلاف السياقات السياسية والقانونية المحيطة بكل منهما، فإن الأزمتين تتحركان في الظل ذاته؛ ظلّ تصاعد التنافس على النفوذ البحري وعودة سياسات القوة إلى الممرات الاستراتيجية.

يحمل مضيق هرمز ما يقارب 20% من النفط المتداول عالميًا، أي نحو 20 مليون برميل يوميًا، إضافةً إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال التي تمثل قرابة ربع تجارة الغاز المسال العالمية. واستنادًا إلى متوسطات أسعار الطاقة الحديثة، تقترب القيمة السنوية للبضائع العابرة عبر المضيق من 0.75 تريليون دولار، ما يجعله أحد أكثر الممرات حساسية اقتصاديًا على مستوى العالم. وقد أظهرت الأزمات السابقة، من حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي إلى حوادث عام 2019، مدى سرعة تفاعل الأسواق؛ إذ يمكن لأسعار النفط أن ترتفع خلال ساعات، بينما يجد المجتمع الدولي نفسه أمام معادلة دقيقة بين التهدئة والردع.

ورغم حالة التوتر المستمرة، فإن الوضع القانوني لمضيق هرمز يُعد واضحًا نسبيًا. فبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يُصنَّف المضيق بوصفه مضيقًا دوليًا يخضع لنظام “المرور العابر”، الذي يضمن حرية الملاحة ويمنع الدول الساحلية من إغلاقه. وقد أتاح هذا الوضوح لمجلس الأمن الدولي التدخل في أزمات سابقة لحماية الملاحة، كما وفر إطارًا للتعاون البحري الدولي الرامي إلى ضمان التدفق المستمر للطاقة.

أما مضيق تايوان، فيمثل مسرحًا مختلفًا تمامًا. فهو ليس ممرًا للطاقة، بل بوابة للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد التكنولوجية. إذ تعبر مياهه أكثر من نصف سفن الحاويات العالمية، بينما تتجاوز قيمة البضائع المارة عبره 3.4 تريليون دولار سنويًا. كما تعتمد أكثر من 60% من أشباه الموصلات المتقدمة عالميًا على استقرار هذا الممر الضيق. غير أن وضعه القانوني لا يزال محل نزاع؛ فالصين تعتبر المضيق جزءًا من مياهها الداخلية أو التاريخية، في حين ترى الولايات المتحدة وشركاؤها أنه ممر مائي دولي. وتتفاقم التعقيدات بسبب عدم انضمام الصين إلى اتفاقية قانون البحار، ما يحدّ من قدرة الآليات الدولية على لعب دور مباشر في إدارة التوترات.

ويُسهم هذا التباين — بين الوضوح القانوني في هرمز والغموض القانوني في تايوان — في تشكيل قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة. فمجلس الأمن يمتلك أدوات واضحة للتعامل مع التهديدات في هرمز، بينما يبقى دوره في تايوان مقيدًا بالاعتبارات الجيوسياسية، وتعقيدات حق النقض، وحساسية الملف باعتباره جزءًا من التنافس الاستراتيجي الأوسع بين قوتين عظميين.

ورغم عدم وجود دليل على ارتباط سببي مباشر بين التطورات في هرمز وتلك الجارية في تايوان، فإن العديد من التحليلات الدولية تشير إلى أن الأزمتين تتحركان في الظل ذاته. فالصين تراقب عن كثب كيفية إدارة الولايات المتحدة للممرات البحرية الحساسة، ومنها هرمز، لأن مثل هذه الأزمات تمثل اختبارًا عمليًا لمدى استعداد واشنطن لإسقاط قوتها البحرية في المضائق الدولية. وعندما تنخرط الولايات المتحدة بعمق في أزمة كبرى في الشرق الأوسط — مثل تأمين تدفق تجارة سنوية تُقدّر بـ0.75 تريليون دولار عبر هرمز — فإن مواردها البحرية واهتمامها الاستراتيجي يتعرضان حتمًا للضغط والتشتت. وهذا يخلق فرصًا محتملة في شرق آسيا قد تختار بكين استغلالها، ليس كرد فعل مباشر، بل كخطوة محسوبة خلال لحظة انشغال أمريكي.

كما تدرك الصين أن الولايات المتحدة تستخدم الممرات البحرية الاستراتيجية كأدوات نفوذ، سواء في الخليج أو في غرب المحيط الهادئ. ومن ثم تسعى بكين إلى إثبات قدرتها على تشكيل التوازنات داخل بيئتها البحرية الخاصة، ورفض أي سابقة تسمح لواشنطن بممارسة سيطرة أحادية على المضائق الدولية دون رد موازن. وهذا لا يعني أن الصين تربط المضيقين بشكل صريح، لكنه يشير إلى أن بكين تفسر السلوك الأمريكي في هرمز باعتباره جزءًا من نمط أوسع لإدارة القوة البحرية عالميًا.

وعلاوة على ذلك، فإن أي تصعيد في مضيق تايوان ينعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، رغم أن المضيق ذاته ليس ممرًا للطاقة. فتعطل سلاسل الإمداد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وتباطؤ الإنتاج الصناعي، وزيادة الطلب على الطاقة مع سعي الاقتصادات لتعويض الاختناقات اللوجستية. وفي ظل التوترات المتصاعدة مع إيران أو احتمالات عدم الاستقرار في هرمز، فإن أي صدمة إضافية في تايوان تجعل الأسواق العالمية أكثر هشاشة، وتضاعف الكلفة الاقتصادية لأي اضطراب في تدفقات النفط والغاز من الخليج. ومن هذا المنطلق، تتفاعل الأزمتان عبر الأسواق العالمية حتى وإن لم تكونا مرتبطتين جغرافيًا.

وعلى مستوى النظام الدولي، يبدو التباين بين المسرحين واضحًا. ففي هرمز، لا يزال الإطار العالمي لحوكمة البحار فاعلًا؛ إذ إن النظام القانوني واضح، والأطراف الإقليمية تمتلك مصلحة مشتركة في الاستقرار، كما أن المجتمع الدولي يملك الأدوات والإرادة السياسية لحماية تدفق الطاقة. أما في تايوان، فإن غياب التوافق القانوني وتشابك القضية مع تنافس القوى الكبرى يحدّان بشدة من دور الأمم المتحدة، ويجعلان الاستقرار قائمًا بصورة أساسية على الردع الثنائي والتحالفات الإقليمية.

وفي المحصلة، تكشف الأزمتان حقيقة أعمق: فالممرات البحرية الاستراتيجية أصبحت مرايا تعكس بنية النظام الدولي نفسه. ففي هرمز، لا يزال القانون الدولي قائمًا لأن القوى الإقليمية والعالمية تتقاسم مصلحة مشتركة في الحفاظ على الاستقرار. أما في تايوان، فإن القانون يتراجع لصالح منطق القوة، ويصبح توازن النفوذ هو العامل الحاسم. ومع ذلك، فإن ما يجمع الأزمتين هو تحركهما في الظل ذاته؛ ظلّ التحولات في موازين القوى العالمية، وعودة التنافس البحري، وتزايد هشاشة سلاسل الإمداد التي تربط الخليج بغرب المحيط الهادئ ضمن شبكة واحدة مترابطة.

وفي عالم تتداخل فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، فإن مستقبل الأمن البحري سيعتمد على قدرة المجتمع الدولي على تعزيز آليات التعاون، وتحديث النظام البحري العالمي بما يتناسب مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة في عصرنا الراهن.

17 Views
Scroll to top
Close
Browse Categories
Browse Tags